التعريف اللغوي للعلم والتعلم
ما العلم، وما التعلم ؟
كيف نفهم العلم؟ وكيف نفهم مدلول هذه الكلمة على الوجه الصحيح ؟ ومن أين نأتي بالمفهوم الحقيقي الذي قلّما يختلف فيه ؟
إن المعاجم اللغوية, هي أفضل ما يرجع إليه في تبيين مدلول الكلمات القرآنية عند العرب حينما نزل القرآن, والذي وجدته من الكتب لاستخراج المدلولات والمعاني, كتاب المفردات في غريب القرآن، وكتاب لسان العرب, وكتاب مقاييس اللغة, ومختارالصحاح.
وقد درجت على شرح الكلمة باختيارات منها، أو من بعضها.
إن للعِلْم في الذهن، أو اللغة مدلولين:
الأول: عملية التعلم - كقولنا عَلِم فلان فكرةً - وهو إدراك الشيء بحقيقته, ويمكن أن يكون العلم على هذا المفهوم عملاً يثاب عليه أعظم الثواب.
والثاني: من حيث كونه اسماً - هو معلومات عن أشياء تلج الصدر، أو القلب, وضد العلم الجهل.
ومما سبق نقول:
العلم: هو المعلومات الصحيحة المؤدية إلى نتائج واقعية صحيحة.
ونقول أيضاً: العلم هو تراكم المعلومات عن شيء ما, يدفعك للتعامل معه، والارتباط به.
ويكون العلم: بإدراك ذات الشيء - وفي هذه الحالة- يتَعدِّى إلى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ نحو: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [الأنفال- الآية 60].
ويكون: بإدراك الحكم على الشيء، ويتَعدِّى إلى مَفْعُوليْنِ، نحو:
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ [الممتحنة- الآية 10].
وللعلم أصناف، وأنواع منها: النظري والعملي، والعقلي والسمعي، والسماوي والأرضي..
واشتق من كلمة العلم: الإعلام، والتعليم، و هما في الأصل بمعنى واحد إلا أن:
الإعلام: اختص بما كان بإخبارٍ سريعٍ, ويقال (أعلَمَ إعلاماً).
تعلَّمْ: تأتي بمعنى اعلم.
والعالِمُ في وصْفِ اللَّه, هو الّذي بكل شيء عليم, والذي لا يخفى عليه شيء.
والعَلَم: الأثرُ الذي يَعْلَمُ به الشيءَ, كعَلَمِ الطّرِيق، وعَلَمِ الجيْشِ.
والـمَعْلَمْ: هو الأثر يستدل به على الطريق, وكذلك العُلْم والعلامة.
العالَم: اسْمٌ لِلفلَكِ وَمَا يحْوِيه منَ الجوَاهرِ والأعْراضِ.
والعَالمُ آلةٌ في الدِّلالةِ عَلَى صَانِعه.
ويجوز أن يقال للإنسان: عَلِيم.
ويجوز أن تقول: علمت الشيء، بمعنى عَرَفته وخبرته.
علم الأمر وتعلمه: أتقنه.
علم بالشيء: شعر به.
وعَلِم الرجل: خبره.
عالَمَهُ: غلبه بالعلم، أي: كان أعلم منه.
قال الحافظ ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) معرفاً العلم فقال: «حَدُّ الْعِلْمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَا اسْتَيْقَنْتَهُ، وَتَبَيَّنْتَهُ، وَكُلُّ مَنِ اسْتَيْقَنَ شَيْئًا، وَتَبَيَّنَهُ، فَقَدْ عَلِمَهُ»([1]).
وجدير بالذكر هنا أن أنوه إلى أنني كتبت في آخر الكتاب عن كلمتي: الجهل والمعرفة, لا رتباطهما الوثيق بالعلم.
المفهوم العصري لكلمة العلم
لو أنك ذكرت كلمة العلم أمام إنسانٍ ما, سائلاً إياه:
ماذا تعني كلمة العلم بالنسبة لك؟ أو بالنسبة للناس حولك؟ فإنه لا يتردد في القول: إن المراد من كلمة العلم هو: العلم التجريبي, كالطب، والهندسة، والرياضيات وغيرها...
أما العلم الديني والشرعي, فيطلق عليه اسم: (دين)، وأما في المدارس فهو مُدْرَجٌ في الأقسام الأدبية التي هي خلاف العلمية, فضلاً عن أن مرتبته متدنيةٌ عما سواه من المواد الدراسية، حتى غدا درس الدين يشبه درس التربية الفنية والبدنية، وكثيراً ما يحذف، ولا يقام له أية قيمة، أو تقدير في الدرجات, في بعض البلدان.
ومن ثمَّ غدا الدين كشيخٍ وقورٍ, يبارك العلوم، ويشجع عليها، ويدعو لمزاولتها, هذا ما نجده في كثيرٍ من الكتب الدينية الحديثة، ولو سبرت أغوارها، لوجدتها ملأى بالحديث عن العلم بهذا المفهوم, والدعوة إليه.
نعم إن الدين يدعو إلى العلم بهذا المفهوم، ويشجع عليه، ويباركه لكن أساس العلم عنده هو العلم بمفهومه الشامل في القرآن.
إن العلم التجريبي غدا عند أغلب الناس, هو أساس العلم, وهو الذي يطمح إليه، ويشجع عليه, وعلى الارتقاء فيه إلى أعلى الدرجات, وإن الحضارات والمدنيات لا تقوم إلا عليه.
بل يذهبون إلى أكثر من ذلك، فيؤكدون لك: أن العلم يدعو إلى الإيمان، ويقويه، وكم من كتبٍ ومؤلفاتٍ وبرامج مرئيةَ تؤكد هذا، وتدعمه، فعلى سبيل المثال كتاب يدعى: (العلم يدعو إلى الإيمان)، لكاتبه ( كريسي موريسون)، وبرنامجٍ مرئيٍ في حلقاتٍ باسم (العلم والإيمان)... إلى آخر ذلك من موضوعاتٍ كثيرةٍ تبين حث الدين على العلم, وأن الدين شيء آخر.
وهذا في حقيقته يوضح الواقع الحالي لمفهوم العلم, عند العامة والخاصة
ولو رجعنا إلى أغلب العلماء الأقدمين، وإلى معظم الكتب القديمة, وأردنا أن نعرف المدلول العام لكلمة العلم, لوجدنا أن المراد عند أكثرهم من كلمة العلم - بوجه عام - هو العلم الديني بأنواعه المختلفة, ويؤكد أن العلم الديني هو المراد عند إطلاقه، وأن العلم: ما قال اللَّه، وقال رسوله .
وإنّ جعل العلم, سبباً للنزاع والخصام والفرقة, على هذا النحو من التطرف والتحزب, ودخول الإنسان إلى أحد الطرفين، ثم مواجهة الطرف الآخر بالحجج, يضيع العمر، ويزرع الشحناء والبغضاء، ويهدم المجتمعات.
فجميع العلوم يحتاج إليها الإنسان، والمجتمع، ويكمل بعضها بعضاً, وبما أن الدنيا مطية الآخرة، فكذلك العلم الدنيوي والأخروي مطية الوصول الآمن إلى دار السلام، فلنأخذ من كل علمٍ حسب الحاجة.
ويجدر بي بدايةً أن أؤكد أنني لا أريد البتة إلغاء علمٍ، أو إحلاله محل آخر.
لو سئل أحدنا عن العلم، وعن وجوده في البلدان، أو بصيغةٍ أخرى: لو سئل أحدنا عن اليابان، أوعن الغرب: هل يسود الجهل مجتمعاتهم، أو أن العلم هو الذي يغلب عليها؟
وهل يمكن أن نقول عن شعوب الدول المتقدمة: إنهم لا يعلمون؟
ما الدول التي يقال عنها متخلفة ؟ وما الدول التي توصف بالمتقدمة؟
ما الدول التي تحتضن العلم والعلماء؟ وماالدول التي تقيم للعلم المدارس، والمعاهد، والجامعات، وتعقد المؤتمرات؟